ابن كثير
56
البداية والنهاية
الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد ، البغدادي الفقيه الشافعي ، أحد الأئمة في الأصول والفروع ، وكان ماهرا في فنون كثيرة من العلوم ، منها علم الحساب والفرائض ، وكان ذا مال وثروة أنفقه كله على أهل العلم ، وصنف ودرس في سبعة عشر علما ، وكان اشتغاله على أبي إسحاق الأسفرائيني ، وأخذ عنه ناصر المروزي وغيره . ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة فيها التقى الملك مسعود بن محمود ، والملك طغرلبك السلجوقي ، ومعه أخوه داود ، في شعبان ، فهزمهما مسعود ، وقتل من أصحابهما خلقا كثيرا . وفيها خطب شبيب بن ريان للقائم العباسي بحران والرحبة وقطع خطبة الفاطمي العبيدي . وفيها خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز ، وهو مقيم بواسط ، وهذا العزيز آخر من ملك بغداد من بني بويه ، لما طغوا وتمردوا وبغوا وتسموا بملك الأملاك ، فسلبهم الله ما كان أنعم به عليهم ، وجعل الملك في غيرهم ، كما قال الله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الآية [ الرعد : 11 ] . وفيها خلع الخليفة على القاضي أبي عبد الله بن ماكولا خلعة تشريف . وفيها وقع ثلج عظيم ببغداد مقدار شبر . قال ابن الجوزي : وفي جمادى الآخرة تملك بنو سلجوق بلاد خراسان والحبل ، وتقسموا الأطراف ، وهو أول ملك السلجوقية ولم يحج أحد فيها من العراق وخراسان ، ولا من أهل الشام ولا مصر إلا القليل . وممن توفي فيها من الأعيان . . . الحافظ أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ، أبو نعيم الأصبهاني ، الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة ، منها حلية الأولياء في مجلدات كثيرة ، دلت على استاع روايته ، وكثرة مشايخه ، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث ، وشعب طرقه ، وله معجم الصحابة ، وهو عندي بخطه ، وله صفة الجنة ودلائل النبوة ، وكتاب في الطب النبوي ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة . وقد قال الخطيب البغدادي : كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز ، ولا يوضح أحدهما من الآخر . وقال عبد العزيز النخشبي : لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة من أبي بكر بن خلاد بتمامه ، فحدث به كله ، وقال ابن الجوزي : سمع الكثير وصنف الكثير ، وكان يميل إلى مذهب الأشعري في الاعتقاد ميلا كثيرا ، توفي أبو نعيم في الثامن والعشرين من المحرم منها عن أربع وتسعين